بنت جبيل

أبعد من الانتخابات الأميركية: ضد العنصرية والفاشية

18

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

بعيداً عن الكونغرس الأميركيّ والبيت الأبيض والمتابعة التقليدية للانتخابات الأميركية، من يتابع حسابات النشطاء في صناعة الرأي العام لدى جمهور الحزب الديمقراطي، سيذهل من حجم التعبئة المتواصلة منذ نحو ستة أشهر، ضد ما يصفونه بالعنصرية، والفاشية، وانتهاكات حقوق الإنسان، والذكورية المتمثلة بـ”الترامبية” التي تشمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأنصاره.
هؤلاء كوّنوا عشية الانتخابات الأميركية، واحدة من أكبر الماكينات التي لم تترك وسيلة لشيطنة ترامب إلا واعتمدتها، مع تركيز هائل على الذكورية، حقوق الإنسان، العنصرية، البيئة، والحقوق الأساسية، كالحق بالاستشفاء والحق بالتعليم والمساواة. العناوين والشعارات التي دعمتها إدارة ترامب لزعزعة الأنظمة غير الخاضعة لها، هي نفسها العناوين والشعارات التي أسقطت هذه الإدارة في واشنطن.
خلال اليومين الماضيين، كان الإعلام منشغلاً باقتحام الكونغرس من منطلق كونه اعتداءً غير مسبوق على الديمقراطية الأميركية؛ أمّا هؤلاء الناشطون، فانشغلوا بالمقارنة بين طريقة تعامل رجال الأمن مع “المتظاهرين البيض” وطريقة تعاملهم سابقاً مع “المتظاهرين غير البيض”: كيف يحق للمتظاهر الأبيض أن يقتحم أمّ المؤسسات الأميركية فيما لا يحق للمتظاهر غير الأبيض أن يعبّر عن رأيه بكل سلمية في الشارع؟!

أما خطوات “فايسبوك” و”تويتر” الردعية لترامب، فلا “تغشهم” أبداً؛ بالنسبة إليهم يُفترض بمواقع التواصل أن تلتزم جدياً بإقفال جميع الحسابات التي تحرّض على الديمقراطية وتعزّز العنصرية وتدافع عن العنف. نادراً ما يجدون ما يستحق الشكر أو الإشادة؛ الإشادة بجميع أشكالها هي أمر مستفز جداً لهم.

وإذا كان “فايسبوك” و”تويتر” حليفي “الديمقراطيين” في الانتخابات الأميركية موضع انتقاد، فما حال رؤساء الدول ورؤساء الحكومات المماثلين لترامب في العنصرية والفاشية وانتهاك حقوق الإنسان؟

ما كادت تصدر مواقف هؤلاء المنتقدة لاقتحام الكونغرس، حتى انهالوا عليهم بالانتقادات لتذكير الرأي العام بكل مكان أنّهم توائم ترامب. وإذا كانت الأعلام الفيدرالية تشغل السياسيين التقليديين، فإنّ ما شغل هؤلاء الناشطين أكثر خلال اليومين الماضيين هو تمزيق المقتحمين لكتاب في الكونغرس عن الحضور النسائي في السياسة الأميركية.

هذه المقارنات والعناوين الحقوقية كان يفترض أنّها بلغت ذروتها عشية الانتخابات، لكن الواضح اليوم أنّ رقعتها تتوسع؛ وحدّتها تزداد، وهي تتحوّل إلى ثقافة مجتمعية جديدة، حيث يمكن رصد تفاعل هائل مع التغريدات المتعلّقة بكل هذه المواضيع. وهذا التفاعل يتجاوز بطبيعة الحال حدود الولايات المتحدة ليشمل جيلاً جديداً عابراً للحدود. مع العلم أنّ أوجه الشبه كثيرة بين الناشطين الأميركيين وكثير من الناشطين – غير القياديين – الذين ظهروا في الجامعات والشوارع اللبنانية، سواءً بالتجاهل الكامل للنقاشات التقليدية أو بإيلاء اهتمام كبير لقضايا البيئة وحقوق الانسان ورفض العنصرية والذكورية أو بالسلوكيات العامة لهؤلاء.

وإذا كانت الجمعيات الجديدة تشكّل الحاضنة الرئيسية للنشطاء اللبنانيين، فإنّ الحزبين الأميركيين (الديمقراطي والجمهوري) ليسا في واقع الأمر أكثر من تجمّع كبير للجمعيات المحافظة بغالبيتها، في حالة الحزب الجمهوري وغير المحافظة بغالبيتها في حالة “الديمقراطي.”

الأكيد أميركياً، أنّ هذا الضغط الافتراضي سيتحوّل في الشهور القليلة المقبلة إلى لوبيات ضاغطة جداً على الإدارة الجديدة؛ لوبيات لا تكتفي بالإجراءات الرسمية الشكلية، كتعيين وزير من أصول إفريقية ووزير مثليّ جنسياً، إنّما تطالب بتعديلات جوهرية ومفصلية في النظام الأميركيّ.

وهي ستضغط أيضاً لمحاولة إحداث تحوّل في مواقف الولايات المتحدة الخارجية من جميع هذه القضايا. فمن يتابع هؤلاء يعلم أنّهم لا يمكن أن يتهاونوا في قضية الخاشقجي، والكثير منهم قد سمع بالداعية السعودي سلمان العودة؛ كما يستوقفهم الإستنزاف الإنساني في حرب اليمن، وهم لا يبالون أبداً بتوسّع نفوذ إيران الإقليمي، لكنهم يبالون بحقوق الإنسان الإيراني.

وإذا كانت المجموعات السياسية التقليدية مستنفرة لتليين هؤلاء والتخفيف من حدّتهم، فإنّ الواضح اليوم أنّنا أمام جيل افتراضي لديه مبادئه وأولوياته واهتماماته وطريقة تفكيره وطريقة تعبيره؛ وهو يتجاوز في التعبير والتفكير الكثير من الخطوط الأميركية التقليدية الحمراء بشأن إسرائيل والسعودية حين يتعلّق الأمر بحقوق الإنسان. وإذا حافظ هؤلاء على أنفسهم وطريقة تفكيرهم، فإنّ الكثير من الكيل الأميركي بمكيالين، فيما خص الديمقراطية وحقوق الإنسان والعنصرية، يصعب أن يتواصل.

غسان سعود