من قلب الإقفال العام الذي فرضه تفشي فيروس كورونا، خرج الوزير جبران باسيل بمؤتمر صحافي خصّصه للهجوم على رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري. المؤتمر الذي أعاد التذكير بأن الطبقة السياسية لا تزال عاجزة عن تأليف حكومة، جاء ليؤكد أن هذا العجز سيستمر لفترة طويلة.
ولأن الثقة مفقودة، فإن خلافاً على حقيبتين قادر على إطاحة البلد. «العدلية» و«الداخلية» لا يمكن أن تكونا لفريق واحد، ليس لشيء سوى لأن الطرف الآخر لا يضمن أن لا تستعمل الوزارتان في تصفية الحسابات. وهنا الصراع محصور طبعاً بين التيار الوطني الحر وتيار المستقبل. وقد زادت الأزمة إثر الادعاء على موظفين في وزارة المهجرين، ومن ثم ادعاء المحقق العدلي على رئيس حكومة تصريف الأعمال. أمام هذه المعضلة التي لا رابط بينها وبين تاريخ العشرين من كانون الثاني، موعد خروج دونالد ترامب من الحكم، فإن كل المؤشرات تؤكد أنه من دون إيجاد حل لأزمة الثقة التي تطرق إليها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، لن يكون بالإمكان مجرد التفكير بتقدّم في الملف الحكومي. ومن هذا المنطلق، علمت «الأخبار» أن الحزب سيُحاول مجدداً الدخول على خط العلاقة بين الطرفين؛ فالمسعى الذي بدأه منذ أسابيع لم يُستكمل، لأن الحزب فضّل حينها إعطاء المبادرة التي قام بها البطريرك بشارة الراعي فرصة لعلّها تصل بالملف الحكومي إلى برّ الأمان. لكن بعد أن تبيّن أن الطرفين لا يزالان غير مستعدين للجلوس معاً، قبل الحديث عن أي تقدّم محتمل في الملف الحكومي، فإن حزب الله قرّر تجديد مساعيه لخلق ثقة بينهما، انطلاقاً من خطاب نصر الله الداعي إلى عدم ربط الحكومة بالمفاوضات بين الأميركي والإيراني.
ولكن، لا تُعوّل مصادر مطّلعة كثيراً على هذا المسعى باعتبار أن المسافة بين بعبدا وبيت الوسط لم تكن يوماً بهذا البعد. وهذه المسافة هي التي جعلت الراعي يكرر دعوة رئيس الجمهورية والرئيس المكلف إلى عقد اجتماع مصالحة شخصية، ولا يُنهيانه من دون إعلان حكومة.
الهوة الكبيرة بين الطرفين عبّر عنها باسيل بالإشارة إلى أن الحريري «لا يملك الأهلية لقيادة الإصلاح». ومقابل تمسّك الأخير بتحميل المسؤولية لرئيس الجمهورية، على اعتبار أنه قام بواجبه الدستوري وسلّمه التشكيلة الحكومية من دون أن يأتيه الجواب، ذهب باسيل إلى نقض هذه الحجة، قائلاً: «في نص دستور الطائف، رئيس الجمهورية من يصدر مرسوم الحكومة بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وبالتالي هو الأساس ورئيس الحكومة يشاركه، وليس العكس».

وكان لافتاً أن باسيل أعلن نهاية «حكومة المهمة» التي كان يفترض أن يؤلفها الحريري، انطلاقاً من المبادرة الفرنسية. وسأل: هل في الدستور، بالعرف، بالتقليد، بالمنطق، بموازين القوى، أحد يصدق أن رئيس الحكومة المكلف هو من يسمّي الوزراء ويؤلف الحكومة وحده؟ هل من يطرح أمر كهذا يكون جدياً في تأليف الحكومة أم يضيّع الوقت؟ هذه الحكومة تريد أن تدير البلد وتحدد مستقبله، في ظروف استثنائية، ولم تعد فقط حكومة مهمة، وتأخذ قرارات مصيرية بترسيم الحدود، والانتخابات النيابية المقبلة، والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، والتدقيق الجنائي، ومحاربة الفساد والإصلاح المالي والاقتصادي وتغيير نظامنا النقدي، والتطبيع والنازحين واللاجئين وغيره وغيره». وخلص إلى أن «هذا يدل على نيّاتهم وعلى ما يريدونه من الحكومة، وكأن الحكومة ليس هدفها الإصلاح وإنقاذ البلد من الانهيار، هذه الحكومة بالنسبة إليهم هي لوضع يدهم على البلد ولإعادتنا الى ما قبل 2005». وأضاف: هل تصدقون أن هؤلاء يريدون حكومة للإصلاح وللتدقيق الجنائي ومحاربة الفساد وإعادة الأموال المحوّلة إلى الخارج واستعادة الأموال المنهوبة، وكشف حسابات السياسيين وموظفي الدولة؟ من منعهم أن يلتزموا بإصلاحات سيدر؟ كم مرة طالبنا بعرضهم على مجلس الوزراء لوضع خطة وخارطة طريق لاتباعها؟ من منع ذلك إلا الكسل والجهل وعدم الرغبة في الإصلاح والجوع لسرقة المال العام؟».
وردّ المستقبل في بيان، مشيراً إلى أن «التيار يترك للشعب اللبناني تصديق الوزير باسيل أو عدم تصديقه، ولن ندخل في مهاترات سياسية (…) الحكومة جاهزة تنتظر عند رئيس الجمهورية، لتكون حكومة مهمة تتولى الإصلاحات المطلوبة بحسب المبادرة الفرنسية وليس بحسب المعايير المذهبية والطائفية والعنصرية الباسيلية». ورأت مصادر مستقبلية أن «تخبط باسيل يؤكد أنه لم يستوعب بعد صدمة العقوبات، وأن كلامه يؤكد أنه لا يريد سعد الحريري رئيساً للحكومة إلا من خلال تسوية رئاسية جديدة».
بعد الرد المستقبلي، أبدت مصادر في «التيار الوطني الحر» استغرابها للإفلاس وعدم القدرة على الرد بالسياسة. ولذلك، اعتبرت أن من يريد حقاً تأليف الحكومة لا يرمي التشكيلة ويذهب من دون عودة، بل لا يغادر قصر بعبدا قبل الاتفاق مع رئيس الجمهورية. ودعت الحريري إلى الرد على الأسئلة – مضبطة الاتهام التي سطّرها باسيل بحقه، بدلاً من الرد بالاتهامات الشخصية. ومن هذه الأسئلة: ما هو اختصاصك لتكون رئيس حكومة اختصاصيين؟ كيف تحترم الاختصاص عندما تسلّم أكثر من حقيبة لوزير واحد؟ من يسمّي وزراء الاختصاص؟ هل تريد للقوى السياسية أن تتنازل عن حقها الذي فرضه الدستور والعرف والميثاق؟ من يعطيك تفويضاً للاعتداء على الدور الدستوري لرئيس الجمهورية وتحويله إلى مجرد مصدّق على التشكيلة الحكومية؟


«يحاصروننا لنسير بالتطبيع»
أفرد النائب جبران باسيل حيّزاً مهماً من مؤتمره للحديث عن الملفات السياسة الخارجية. وقال إن «الحصار المفروض علينا هو نتيجة خيارات سياسية ووطنية أخذها لبنان في مواجهة إسرائيل، وفي مواجهة التكفيريين الملتقين مع إسرائيل على تفتيت المنطقة إلى كيانات مذهبية متناحرة، تضعف بعضها ليصير سهلاً الفتك بها. وإن من يعتقد أنه بتقسيم المنطقة يسلم لبنان هو واهم. ومن يعتقد أنه بتقسيم لبنان هو يسلم ويقوى، هو خاو». وسأل: «كيف يمكن أن يكون هناك لبناني لا يفهم منذ 73 سنة إلى اليوم الأثمان التي دفعها لبنان بسبب إسرائيل والقضية الفلسطينية، وهذا لا دخل لحزب الله به، وهو لم يكن موجوداً أصلاً. كيف يمكن أن يكون هناك لبناني واحد واع يفكر بالخضوع لشروط إسرائيل تحت عنوان تعبنا وما بقى بدنا حرب، بدنا سلام. هل نحن لا نريد سلاما؟ المطروح علينا استسلام وليس سلاماً. المطروح علينا وصفة لحرب داخلية وتفكك وانحلال يسمح لإسرائيل بأن تصفّينا وتصفّي القضية الفلسطينية وتحقق مشروعها الاحتلالي الاستيطاني الكبير بتفتيت الدول المحيطة بها، وعلى رأسها لبنان، الخطر الأكبر على نموذجها، بفضل التعايش الإسلامي – المسيحي الذي هو عكس ونقيض الأصولية والعنصرية الإسرائيلية. نحن مع السلام الحقيقي المبني على العدالة واستعادة الحقوق، لأن السلام من دون عدالة هو تكريس للظلم، ولا يدوم». وأضاف: «الحصار المفروض علينا ورقة ضغط، نحن أيضاً ساهمنا داخلياً بزيادة ثقلها علينا بفعل الأداء السيّئ والفساد ونقص الوعي عند البعض وزيادة العمالة عند البعض الآخر. هي ورقة ضغط لنسلم ببقاء النازحين واللاجئين، ولنسير بالتطبيع من دون استعادة الحقوق ومن دون حماية مواردنا وثرواتنا، وبخاصة الغاز في البحر. هذه هي الحقيقة التي يحاول البعض، بفعل عمالته، التغاضي عنها ووضع المشكلة فقط في إطارها الداخلي».