بنت جبيل

تنصيب بايدن اليوم: ولاية ثانية لترامب في الشرق الأوسط

80

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

يطوي دونالد ترامب، اليوم، ولايةً رئاسية عزّزت، على مدى أربع سنوات، مِن حدّة الانقسام والفوضى الداخليين، فيما ساهم حَمله شعار «أميركا أولاً»، بتراجع الهيمنة الأميركية المتآكلة في موازاة صعود لاعبين آخرين. هذا الواقع يؤرّق إدارة الرئيس المقبل، جو بايدن، الذي وضع استعادة الولايات المتحدة ريادتها العالمية أولويةً، توازي من حيث الأهميّة، أو ربّما تفوق، النظر في الوضع الداخلي المأزوم على غير مستوى. أولويةٌ أعاد التشديد عليها وزير الخارجية الجديد، أنتوني بلينكن، الذي وضع، يوم أمس، الخطوط العريضة لسياسة إدارته الخارجية، والتي تتشابه، إلى حدّ التطابق، مع سياسات الإدارة المنصرفة.

يدخل جو بايدن البيت الأبيض محاطاً بآلاف العسكريين الذين طوّقوا العاصمة واشنطن، ليبدأ ولاية رئاسيّة تظلّلها أزمات متزامنة ما فتئت ترخي بثقلها على الولايات المتحدة، حيث يواصل وباء «كورونا» حصد أكثر من ثلاثة آلاف أميركي يومياً، فيما يتسجّل مليون شخص في برنامج البطالة أسبوعياً، فضلاً عن عشرات الملايين الذين يشكّكون أصلاً في شرعية الرئيس المنتخَب. بعض هذه الأزمات، مثل الوباء وتداعياته على المستوى الاقتصادي، ظرفيّ ومترابط. أما بعضها الآخر، كالانقسامات السياسية والعنصرية، فتعود إلى عقود، ما يوجب على بايدن مواجهتها كلها، في وقت ينشغل فيه مجلس الشيوخ بتصفية حسابه مع ترامب للمرّة الثانية في غضون عامٍ واحد.
وبعد أربع سنوات من ولاية رئاسيّة زكّت الانقسامات، أدّت الحملة التي شنّها ترامب على نتائج الانتخابات إلى تعميق الهوة في الداخل الأميركي، بعدما رفض الاعتراف بالهزيمة. ولمّا فشل في إقناع المحاكم برواية التزوير، نجح في زرع الشكّ لدى الملايين من أنصاره، ما ساهم في الانفجار الذي جاء على شكل اقتحام مبنى الـ»كابيتول» في السادس من الشهر الجاري. بحسب ديفيد فاربر، أستاذ التاريخ في جامعة كنساس، فإن «الولايات المتحدة لم تعرف أزمة شرعية سياسية كهذه منذ تنصيب أبراهام لنكولن» عام 1861، والذي أطلق شرارة الحرب الأهلية الأميركية، معتبراً أن محاكمة ترامب أمام مجلس الشيوخ «ستستهلك الوقت الذي يحتاج إليه جو بايدن» لبدء مشاريعه. وإن كان بعض الجمهوريين نأوا بأنفسهم أخيراً عن الرئيس المنصرف، «فسيبقى قوّة صاخبة، قد تستمر طوال فترة إدارة بايدن التي لن يسعها الكثير حيال ذلك»، على حدّ تعبير المؤرّخ. وفي مواجهة كل هذه الأولويات، يعتقد بايدن بأن عزمه على تجاوز خطوط الترسيم السياسي هو الحلّ الوحيد: «الوحدة ليست مجرّد وهم، إنها خطوة عملية للقيام بما يجب علينا فعله معاً، من أجل البلاد».

أكّد بلينكن أن الاتفاق مع إيران يفترض أن يشمل برنامج الصواريخ البالستية كما «أنشطتها المزعزعة» في المنطقة

أولويات توازيها أحلام بايدن باستعادة أميركا ريادتها على مستوى العالم، لكن عزمه على القيادة دونه الكثير من الوهم، في ظلّ المتغيّرات الكثيرة التي طرأت على مدى السنوات الماضية. ولتحقيق الخطوة الموعودة، اختار دبلوماسيين متمرّسين عملوا في إدارة باراك أوباما، وعلى رأسهم وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، الذي سيتعيّن عليه «تصحيح مسار» السياسة الخارجية. عادت الولايات المتحدة إلى «القيادة»، لكنّها ستعتمد الآن على حلفائها «للفوز بالمنافسة مع الصين» ومواجهة خصومها الآخرين؛ هذا ما تعهّد به الوزير المقبل، واعداً بالتخلّي عن الدبلوماسية الأحادية الجانب التي تبنّاها ترامب، على رغم إشادته الصريحة بخطوات كثيرة اعتمدتها الإدارة المنصرفة في مقاربتها ملفات المنطقة والعلاقات مع الصين. وفي جلسة المصادقة على تعيينه في مجلس الشيوخ ، قال بلينكن: «يمكننا تعزيز تحالفاتنا الجوهرية ــــ التي تقوّي نفوذنا في أنحاء العالم»، وبناء جبهة موحّدة لمواجهة التهديدات التي تشكّلها روسيا والصين وإيران، مذكّراً بأن «القيادة الأميركية لا يزال يُحسب لها حساب». وتحدّث عن «عالم تتزايد فيه النزعة القومية وتتراجع فيه الديموقراطية وينمو فيه التنافس مع الصين وروسيا ودول سلطوية أخرى»، ولكن «يمكننا التفوق في منافسة الصين، وتذكير العالم بأن حكومة من أجل الشعب ويختارها الشعب، يمكنها أن تحقق (نتائج) لشعبها». بالنسبة إلى إيران، أكّد بلينكن أن حكومة الرئيس المقبل مستعدّة للعودة إلى الاتفاق النووي، شرط أن تفي طهران مجدداً بالتزاماتها، «لكننا سنلجأ إلى ذلك كنقطة انطلاق، مع حلفائنا وشركائنا الذين سيكونون مجدداً إلى جانبنا، سعياً إلى اتفاق أقوى ويستمر وقتاً أطول»، معتبراً أن هذا الأمر يفترض أن يشمل البرنامج الإيراني للصواريخ البالستية كما «أنشطتها المزعزعة» في المنطقة. وهذه شروط «غير متوافرة حالياً»، على حدّ تعبيره. كذلك، كرّر الإشارة إلى ضرورة «حلّ الدولتين»، لكنه شكّك في إمكان إنجاز هذا الحلّ على المدى القصير»، مشيداً بما حقّقته إدارة ترامب على مستوى اتفاقات التطبيع التي «جعلت إسرائيل والمنطقة أكثر أمناً».
يصرّ جو بايدن على أن «الولايات المتحدة يجب أن تكون حازمة في تعاملها مع الصين». لكن، هل يتحوّل هذا الحزم إلى حرب باردة جديدة كان أوّل من بشّر بها وزير الخارجية في الإدارة المنتهية ولايتها، مايك بومبيو، أم إلى منافسة استراتيجية واضحة، لكن أكثر هدوءاً وتماشياً مع رغبة الأوروبيين؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدِّد «نجاح السياسة الخارجية الأميركية أو فشلها» كما يقول الدبلوماسي السابق بيل بيرنز الذي عيّنه بايدن رئيساً لوكالة الاستخبارات المركزية.

صحيفة الأخبار