بنت جبيل

لماذا تريد واتساب بياناتك الفوقية؟

55

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

في اليوم الرابع من العام الجديد، عايدت شركة واتساب على ثُلث سُكان العالم ممن يستخدمون تطبيقها برسالة مفادها: إما أن توافقوا على سياسة شروط الاستخدام الجديدة، أو سيتم حرمانكم من هذا التطبيق بحلول 8 شباط. بموجب هذه السياسة الجديدة، ستتمكن واتساب من مشاركة بعض البيانات مع الشركة الأم، فيسبوك، والشركات التابعة لها، لتوظيفها في استهداف المستخدمين بالإعلانات.

يستثني هذا التهديد مواطني الاتحاد الأوروبي، الذين يحميهم قانون «اللائحة العامة لحماية البيانات» (GDPR)، والذي يشترط ألا تحرم الشركات المستخدمين من خدماتها إن رفضوا سياسة جمعها لبياناتهم الشخصية. لربما كان يقين شركة واتساب بتصدر تطبيقها قائمة التطبيقات التواصل في العالم وتغلغله في حياة ملياريّ مستخدم ما شجعها على القيام بمثل هذه الخطوة التصعيدية. لاقت هذه الخطوة استهجانًا كبيرًا حول العالم وخرجت دعوات بالنزوح الجماعي إلى تطبيقات وصفت بأنها أكثر أمنًا، مثل تطبيق سيغنال التابع لشركة غير ربحية، والتي تعرضت خوادمها بسبب هذا النزوح غير المسبوق لضغط كبير أوقف التطبيق عن العمل ليومين. كل ذلك جعل واتساب تؤجل العمل بسياستها الجديدة حتى 15 أيار.

بحسب السياسة، فإن البيانات التي ستتم مشاركتها، هي البيانات الفوقية، أو الميتا-داتا، (metadata) التي تشمل معلومات حول الرسائل، دون محتوى الرسائل نفسها. بدأت واتساب بمشاركة بيانات مستخدميها الفوقية مع فيسبوك منذ 2016. لكنها أعطت مستخدميها في ذلك الوقت ثلاثين يومًا لرفض السياسة قبل بدء تطبيقها. كل من كبس زر «أوافق» على السياسة الجديدة، بات منذ ذلك اليوم معرضًا لأن يقترح عليه فيسبوك، مثلًا، إضافة حسابات أصحاب أرقام عشوائية كان قد تواصل معها عبر واتساب. في سياستها الجديدة، وسّعت واتساب من نطاق أهدافها المُعلنة لمشاركة بيانات مستخدميها مع مجموعة الشركات التي استحوذت عليها شركة فيسبوك الأُم، وأشهرها تطبيق إنستغرام. أضافت الشركة أنها ستشارك البيانات التي تجمعها عنك عبر أطراف ثالثة مع مجموعة شركات فيسبوك، كما كانت تفعل في السابق، لكن هذه المرة لأهداف تتعلق بتطوير آلية استهداف المستخدم بالخدمات والدعايات التي تقدمها فيسبوك أو إحدى شركاتها، ومحاولة ربط حسابات المستخدم الواحد عبر كل هذه الشركات. مثلًا، عبر رقم الهاتف المُسجل على حساب واتساب، وهو شرط لفتح الحساب، تستطيع فيسبوك أن تربط حساباتك على الفيسبوك والإنستغرام والواتساب معًا، إن كنت قد وفرت رقم هاتفك على هذه المنصات، وأن تستخدم البيانات التي تجمعها عنك من واتساب وإنستغرام في خوارزميات الدعايات الموجهة. أيضًا، أضافت واتساب في سياساتها الجديدة «البيانات المالية»، مثل بطاقتك الائتمانية وعنوانك البريدي المربوط بها، إلى قائمة البيانات التي ستُشاركها عنك مع شركاتها الأخرى ولنفس هذه الأهداف.

لم تأتِ سياسة واتساب الجديدة من فراغ بل كانت خطوة لتحقيق رؤية مارك زكربيرغ لدور التطبيق في مستقبل التواصل، والتي عبر عنها في مدونة نشرها عام 2019. تخيل زكربيرغ أن دور واتساب سيكون أساسيًا للتواصل بين الناس وشركات القطاع الخاص، بحيث تتمركز عمليات البيع والشراء والدفع الإلكتروني عبره، وبطريقة آمنة. برأي زكربيرغ، بات الناس حول العالم يفضلون التواصل عبر رسائل مُشفرة مع أقرانهم إما فرديًا أو ضمن مجموعات صغيرة مغلقة، بدلًا من نشر أفكارهم وبياناتهم على منصات عامة «تبقي سجلًا دائمًا لا يمكن محوه». ويعترف زكربيرغ في هذه المدونة بأن فيسبوك لم تبنِ صيتًا قويًا في تقديم خدمات تحمي خصوصية المستخدم. في المقابل، لم يوفر زكربيرغ فرصة في هذه المدونة للتأكيد على خاصية تشفير محتوى الرسائل على تطبيق واتساب. هذا التواصل الآمن على واتساب لن يكون فقط بين العائلة والأحباء والأصدقاء، بالنسبة لزكربيرغ، بل سيتوسع ليشمل التواصل مع الشركات والمتاجر عبر خدمات الدفع التي بدأت واتساب بتوفيرها في أكبر سوق لديها في الهند، وستنشرها مستقبلًا إلى مستخدمي العالم.

تقول واتساب لمستخدميها أن التطبيق «أصبح شاهدًا على أكثر اللحظات خصوصية في حياتكم الشخصية»، ولهذا السبب اختارت أن توظف تقنية تعمية النظير أو (end to end encryption E2E). وكما فعل زكربيرغ في مدونته، تطمئن واتساب مستخدميها في ردها على الحملة ضد سياستها الجديدة بأن هذه السياسة لن تغير من حقيقة أنها لن تتمكن من النفاذ لمحتوى هذه الرسائل (بما فيها الصور والفيديوهات) حتى وإن كانت الرسائل تمر عبر خوادمها، لأن مفاتيح تشفير هذه الرسائل تُخزن فقط على جهاز المُستخدم والمُرسل. وأن ما ستصل إليه هو فقط البيانات الفوقية. فلماذا كل هذه الجلبة إن لم تكن واتساب قادرة على الدخول إلى محتوى رسائلنا؟

ما هي البيانات الفوقية وما الذي يمكن أن تكشفه عنا؟ 

كمعظم التطبيقات التجارية، يجمع واتساب عنا بيانات تُسمى بيانات فوقية، قد تكون كافية للنفاذ لتفاصيل حياتنا الشخصية وعلاقاتنا الاجتماعية وتوجهاتنا السياسية. وهي بيانات عن المحتوى الذي نرسله، أو بيانات تولدها أجهزتنا بطريقة مؤتمتة عن العمليات التي نقوم بها عليها. فإذا تخيلنا واتساب كشركة بريد، ورسائل واتساب كطرود بريدية، ستكون البيانات الفوقية التي تجمعها الشركة هي البيانات المتعلقة بالطرد لا بمحتواه، من عنوان المُرسل والمستقبل ووزن الشحنة وتاريخ إرسالها واستقبالها والطريق الذي سيسلكه إلى أن يصل وجهته. الفرق بين شركة البريد وواتساب، هو أن تغلغل التطبيق واتساب في تواصل ثلث البشر في العالم يوميًا يسمح لها يجمع بيانات فوقية ضخمة عن الرسائل اليومية المُرسلة عبر تطبيقها. لا تصل واتساب للمحتوى نفسه، إلا أنها البيانات الفوقية التي تجمعها تتضمن نوع الجهاز، ونظام التشغيل، وصورة البروفايل، وقائمة الاتصال، وعناوين المجموعات التي تنتمي إليه، والموقع الجغرافي، وشبكات الواي فاي والبلوتوث التي تتصل بها عليها. كما تجمع أيضًا بيانات عن تفاعل المستخدم مع التطبيق، مثل تاريخ ووقت الإرسال والاستقبال، وحجم الرسالة ونوعها وترددها بحسب قائمة الاتصال.

تسمى عملية التحليل المحوسبة لهذا الكم الهائل من البيانات، واستنتاج خصائص أصحابها الديمغرافية أو خرائط علاقاتهم أو أنواع شخصياتهم تنقيب البيانات (data mining). تبقى العمليات التي تجريها واتساب على الكم الهائل من بياناتها الفوقية سرية. إلا أن هنالك العديد من الدراسات التي ظهرت حول حول القدرة على التنبؤ التي يمكن أن تمنحها البيانات الفوقية لسجلات مكالمات شركات الاتصالات، والتي تشبه البيانات الفوقية التي تنتجها رسائل واتساب. فمثلًا، استطاع مختبر البيانات في جامعة ماساشوسيتس التقنية استخلاص خصائص الجندر بدقة عالية جدًا من سجلات البيانات الفوقية للمكالمات والتي تشمل وقت وتاريخ المكالمة وطولها ومدى عشوائيتها دون معرفة هوية المستخدم. أخضع الباحثون 250 مليون سجل مكالمة لما يقارب 150 ألف مستخدم لعمليات تنقيب بعد تجهيل الهويات، واستنتجوا أن أنماط الاتصال حسب ساعات اليوم وأيام الأسبوع يمكن أن تساعد على التنبؤ بأشياء مختلفة. فمن خلال تحديد أنماط كثافة المكالمات في الفترات المختلفة خلال اليوم، ووتيرة الرد على المكالمات، وطول المكالمة، توصلت الدراسة إلى أن أعلى الرجال يجرون معظم اتصالاتهم بين السابعة صباحًا والخامسة مساء خلال أيام الأسبوع، أما النساء فتتوزع مكالماتهم على مدار اليوم. في دراسة أخرى للمختبر نفسه، وعبر تحليل البيانات الفوقية لسجلات مكالمات مئة طالب، استطاع الباحثون التنبؤ بخصائص شخصياتهم، وخاصة إن كانت منفتحة اجتماعيًا أو عُصابية، وتوافقت نتائجهم مع اختبارات الشخصية التي خضع لها الطلاب أنفسهم.

قد تعطينا الدراسات أعلاه لمحة عما يمكن أن تستنتجه واتساب من البيانات الفوقية التي تجمعها، خاصة إن استطاعت مطابقتها مع بيانات حسابات المستخدمين على فيسبوك وإنستغرام كما تنوي أن تفعل في سياساتها الجديدة. لكن حتى دون مشاركة هذه البيانات مع فيسبوك وإنستغرام، يمكن لواتساب معرفة الكثير عنا، ولا يجب أن ننظر إلى البيانات الفوقية الخاصة برسالة ما بمعزل عن قيمتها في الشبكات الاجتماعية. لنفرض مثلًا أنك أرسلت عبر واتساب تسجيلًا صوتيًا في الساعة الثانية صباحًا. لن يعني هذا التسجيل الصوتي الكثير لواتساب إلا إذا ولّد سلسلة من الرسائل في وقت غير مألوف، كالساعة الثانية. هنا يستنتج واتساب أن أمرًا طارئًا حدث، وأنك استنجدت بأحد أصدقائك أو مجموعاتك الذين تواصلوا بدورهم مع بعضهم لخدمتك. على نفس المبدأ، سيعرف واتساب أنك إذا تواصلت مع شخص في ساعات متأخرة في الليل ولمدة طويلة جدًا وبشكل غير معتاد، بأنك تمر بمأزق أو بمرحلة جديدة في العلاقة مع هذا الشخص.

تطلب واتساب النفاذ إلى بيانات الموقع الجغرافي (GPS) إن أردت استخدام خدمة مشاركة الموقع مع أحد الأصدقاء، أو حتى قراءة موقع أرسله لك أحدهم. وبحسب سياسة واتساب عام 2018، ففي اللحظة التي تمنحها إذنًا للنفاذ إلى بيانات الموقع الجغرافي، فإنك تمنحها إذنًا لجمعه باستمرار، إما عند تفعيل التطبيق (عشرات أو مئات المرات يوميًا)، أو في كل مرة تتحرك فيها، بغض عن نشاط التطبيق.

تمكّن بيانات الموقع الجغرافي واتساب من تحديد مستخدميها في الرقعة الجغرافية ذاتها، والتي تغطي من 15 إلى 50 مترًا. قد تعلم واتساب عبر هذه البيانات مثلًا أن مجموعة من الناس يعيشون أو يعملون في البناية نفسها، أو إن كانوا يتواجدون في المكان نفسه بشكل متكرر. ولكن حتى تتمكن واتساب من تصنيف هذه المجموعة إلى زملاء في العمل أو جيران أو أشخاص تربطك بهم علاقات حميمة، ستحتاج بيانات شبكة الواي فاي والبلوتوث. فعادة نشارك العائلة شبكة الواي فاي نفسها في ساعات الأولى والأخيرة من اليوم، وإن لم يكن هنالك أي شخص آخر يشاركك الموقع وشبكة الواي فاي صباحًا ومساءً، فمن المرجح أنك تعيش لوحدك. أما إن كنت تشارك مجموعة أخرى شبكة واي فاي من الساعة التاسعة للخامسة أيام الأسبوع، فمن المرجح أن يكونوا زملائك بالعمل. لكن الشخص الذي تشاركه شبكة الواي فاي في عطلة نهاية الأسبوع، ويشبك جهازك وجهازه على نفس شبكة البلوتوث، وتتواصل معه يوميًا عبر واتساب، وهو أول من تصطبح برسالة إليه أو منه، وآخر من تمسي عليه، من المُرجح جدًا أن يكون شريكًا عاطفيًا.

بالرغم من أن واتساب أجرت عمليات لتنقيب البيانات قبل نشر سياساتها الجديدة «لدعم وتحسين خدماتها»، إلا السياسة الجديدة تضيف أهدافًا دعائية لهذه العمليات. لا يمكن فهم هذه السياسة الجديدة بمعزل عن خطة فيسبوك لجعل واتساب مركز العمليات المالية. في تقرير لكيرت واغنر لموقع بلومبيرغ عن سياسة فيسبوك الجديدة، يقول المدير التنفيذي لواتساب، مات إيديما، «ستكون فيسبوك وإنستغرام واجهة المتجر، وواتساب كاشيير الدفع». بعد أن أطلقت واتساب خدماتها المالية في الهند والبرازيل والمكسيك، أضافت في سياستها الجديدة «البيانات المالية» إلى قائمة بيانات المستخدمين التي تود مشاركتها مع مجموعة شركاتها. لم تمنع قضية مكافحة الاحتكار التي تتهيأ هيئة التجارة الفيدرالية لرفعها ضد الشركة من أن توسّع فيسبوك مجموعة الشركات التي تملكها. ففي نهاية 2020، استحوذت شركة فيسبوك على شركة «كستمر» (Kustomer) الأمريكية التي تقدم خدمات إدارة العلاقات مع العملاء، بما قيمته مليار دولار، ووصفت الصفقة بأنها من أكبر صفقات الاستحواذ التي قامت بها الشركة بعد واتساب. في العام نفسه، استثمرت فيسبوك أيضًا ما يقارب الستة مليارات دولار في شركة جيو بلاتفورم الهندية، لتطوير واتساب كمنصة تسوق للمتاجر والشركات المتوسطة والصغيرة في الهند.

في ردها على الحملة ضد سياستها الجديدة، قد تكون واتساب محقة بأن هنالك كثير من اللغط حول ما تضمنته هذه السياسة وخاصة عن نوع البيانات التي تشاركها مع شركاتها الأخرى. قررت واتساب تأجيل تنفيذ سياستها حتى 15 أيار لتصلح كل «المعلومات المُضللة» التي نُشرت عن سياستها. الصحيح أن الشركة لا تزال غير قادرة على النفاذ إلى محتوى الرسائل التي تمر عبرها. لكنها تتجاهل في ردها حقيقة أن كل رسالة نرسلها عبر تطبيقها يولد مجموعة من البيانات الفوقية يكفي لمعرفة الكثير عن حياتنا الشخصية واهتماماتنا وتوجهاتنا وعلاقاتنا الاجتماعية، حتى تجعل منا مستهلكين أفضل لسلع مُعلنيها. تتجاهل الشركة أيضًا حقيقة أن احتكار فيسبوك لخدمات التواصل الاجتماعي سيجعلنا كمستخدمين ندور في فُلك مغلق من التطبيقات التابعة الشركة نفسها، وستستخدم كل حركة نقوم بها لبناء ملفاتنا الشخصية والتنبؤ بسلوكياتنا المستقبلية.

تخبرنا تسريبات إدوارد سنودن، موظف وكالة الأمن القومي الأمريكية السابق، أن هنالك قيمة استخباراتية أيضًا للبيانات الفوقية التي تنتجها واتساب وغيرها من التطبيقات والخدمات على الإنترنت. فبعد أن كشف سنودن برامج الرقابة الشاملة التي كانت تقوم بها وكالة الأمن الوطني (NSA) على الإنترنت في 2013، حاولت حكومة أوباما التقليل من شأن ادعاءات انتهاكات برامج التجسس لحق مواطنيه في خصوصية بياناتهم لأنها لم تكن تجمع «محتوى المكالمات»، بل البيانات الفوقية المتعلقة بها. يخبرنا سنودن، في كتابه «سجل دائم»، بأن وكالات الاستخبارات مهتمة أكثر بجمع البيانات الفوقية التي تنتجها الرسائل من جمع محتواها الذي يمكن أن يكون باهظ الثمن دون قيمة حقيقية. بالنسبة لسنودن، يمنح الجمع الشامل للبيانات الفوقية بين القدرة على تحليل «الصورة الأكبر» لاتصالات السكان والمستخدمين و«الصورة الأصغر» عبر بناء خرائط دقيقة وزمنية للعلاقات الاجتماعية لحياة الأفراد الشخصية التي تمكنهم من تنبؤ سلوكياتهم.

لذلك، ربما يكون توجهنا نحو أدوات وتطبيقات غير ربحية تحاول في صميم تصميمها التقليل من جمع أو تخزين البيانات الفوقية، مثل سيغنال، محاولةً لا لمنع تسليع حياتنا الخاصة من قبل الشركات الربحية المُحتكرة فحسب، بل لمنع مراقبتها من قبل الحكومات والجهات الرقابية أيضًا.

موقع حبر دوت كوم