طوال عشر سنوات من النزوح السوري، لم توفّر «مافيا الجمعيات» وسيلة لاستغلال آلاف النازحين في القرى والبلدات العكارية، واستدرار الأموال الخليجية خصوصاً، محوّلة تغريبتهم الى «مأساة تبيض دولارات فريش».
أرامل وفتيات وأطفال عُرضت صورهم على وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام عربية، تطلب التكفّل بهم ومساعدتهم. ومئات المشاريع الخيرية أُعلن عنها، من بناء مساجد ومدارس، الى تأمين شقق سكنية، والتكفّل بأسر وكفالة أيتام وغيرها… من دون أن ينفّذ منها أي شيء. ولم يخل الأمر من استغلال للنساء والمتاجرة بهن. وقد ذاع، في هذا السياق، صيت مسؤول إحدى الجمعيات في بلدة خربة داود (الدريب الأوسط) حيث أكبر مخيمات النزوح في عكار (300 عائلة). ورغم كل الشبهات التي تحيط بعمل الجمعية، فإنها لا تزال ناشطة بعيداً عن أي رقابة.
ورغم تراجع المساعدات عما كانت عليه في ذروة الحرب السورية، بقي مشروع «كفالات الأيتام» الذي تديره «جمعية الخيرات» في منطقة الدريب الأوسط مستمراً، وتواصل تدفق المساعدات الخليجية، وخصوصاً السعودية، من أجل هذا المشروع الذي يتضمن تخصيص 50 دولاراً لكل يتيم سوري… لا يتقاضى منها هؤلاء سوى 120 ألف ليرة!
في بيان وُزع على «واتساب» باسم «الأيتام والأرامل الثكالى»، أخيراً، وُجّهت اتهامات الى رجل الدين المشرف على الجمعية خالد علمان بـ«سرقة» أموال الأيتام، مشيراً الى أن كل يتيم كان يتقاضى قبل الأزمة 75 ألف ليرة شهرياً (تعادل 50 دولاراً)، «وبقي المبلغ على حاله رغم ارتفاع سعر صرف الدولار، قبل أن تتوقف الجمعية لأشهر عن الدفع بحجة عدم وجود تمويل. وعند تجاوز سعر الصرف الـ 9 آلاف ليرة عادت الجمعية الى دفع 120 ألف ليرة بدل الـ 50 دولاراً». ولفت البيان الى أن الجمعية تطلب من والدة اليتيم التوقيع بأنها تسلّمت مبلغ 50 دولاراً. وسأل البيان: إذا كانت الحجة أن الدولارات تصرف للجمعية وفق سعر صرف المنصة، فإن الـ 50 دولاراً تساوي عندها 200 ألف ليرة، وعليه «أين الـ ٨٠ ألف ليرة المتبقية لكل يتيم؟».
في المقابل، وُزع بيان باسم «الأرامل أمهات الأيتام السوريين في عكار» يؤكد وقوف الجمعية الى جانب النازحين، ويعزو سبب دفع 120 ألف ليرة بدل 50 دولاراً الى أن «الشيخ خالد علمان يدّخر لنا الفارق لتستمر كفالتنا بعدما أوقف الكفيل الكفالة»، آملاً «أن تستمر كفالتنا عبر الشيخ علمان»، ومناشداً «أهل الخير» مواصلة دعم المشروع.

وفق أيّ سعر صرف تساوي الدولارات الـ 50 نحو 120 ألف ليرة

إحدى النازحات أوضحت لـ«الأخبار» أنه بعد انتشار البيان الأول «طُلب منا الحضور لتسلّم كفالة، ووقّعتا ورقة بيضاء على أساس أننا تسلّمنا مبلغ الكفالة وهو 120 ألف ليرة ليتّضح لاحقاً أننا وقّعنا على طلب مناشدة الى المتبرعين الخليجيين للاستمرار في الكفالة، بحجة أن الجمعية وقفت الى جانبنا على جميع الصعد الإغاثية والطبية والاجتماعية، منذ بداية الأحداث السورية». وقالت إن البيان أشار الى أن المشروع «يكفل أولادنا مادياً وتعليمياً ودينياً وطبياً، إضافة الى توزيع حصص من اللحوم والحلويات خلال شهر رمضان، وهذا غير صحيح على الإطلاق. كل ما نتلقاه هو مبلغ 120 ألف ليرة منذ أربعة أشهر فقط». ولفتت الى «استنسابية في التعاطي مع ملف الكفالات. إذ توقفت المساعدات عن البعض من دون مبرر، وغالبية النازحات يخشين الاعتراض خوفاً من حرمانهن من الكفالة نهائياً. وهناك كثيرات صوّرن فيديوات إشادة بالمشروع بناءً على طلب رئيس الجمعية».
توزيع البيان دفع بهيئة العلماء المسلمين الى التدخل، وانتداب رئيس مكتب عكار في الهيئة الشيخ أحمد سالم للنظر في الأمر. وأوضح سالم لـ«الأخبار» أن «تواصلاً جرى مع الشيخ خالد علمان الذي أوضح لنا أن الأموال موجودة في البنك ويتم سحبها على سعر صرف المنصة. وقد اتفقنا على زيادة قيمة الكفالة لتساوي سعر صرف المنصة، أي 3950 ليرة للدولار، لكننا، للأسف، فوجئنا في اجتماع أول من أمس بأنه أبقى على المبلغ نفسه. ولدى الاستفسار منه عن سبب ذلك، برّره بأنه يدّخر بقية المال لشهر رمضان».
علمان، من جهته، أوضح لـ«الأخبار» أن أموال الكفالات كانت في بنك «بيبلوس»، و«تم سحب المبلغ وفق «شيك مصرفي» على سعر صرف 2000 ليرة، ولاحقًا سحبنا مبلغ 6100 دولار على سعر صرف 3270 ليرة، وحاولت الجمعية تأمين حاجات النازحين عبر تقسيم المبلغ للتمكن من تدبر الأمور أكبر فترة ممكنة، وفق معادلة قليل دائم خير من كثير منقطع»، لافتا الى أن الكفيل «توقف عن الدفع منذ ثمانية أشهر، وأنا لم أتوقف عن مساعدة الأيتام ونسعى للاستمرار من إمكانياتنا الخاصة».
مصادر مطّلعة على عمل الجمعيات أكدت لـ«الأخبار» أن التبرعات «لا تُحوّل عبر المؤسسات المصرفية، كما يمنع تحويل الأموال من دول الخليج الى لبنان. لذلك يتم تسليم المبالغ باليد وبالعملة الأجنبية في لقاءات تجمع المشايخ مع المتبرعين في الخارج»، مشددة على «شبهات كثيرة تحيط بعمل الجمعيات المحلية وحتى الدولية».

صحيفة الأخبار